أخبــاربلاد الجوار

أزمة الحجاب والسيادة.. هل تتأثر علاقة أردوغان بحليفته أذربيجان؟

تصاعد الخلاف بين تركيا وأذربيجان خلال أيام، على خلفية القيود المفروضة على ارتداء الحجاب في المدارس الأذربيجانية، ليتجاوز الجدل الديني والاجتماعي إلى سجال سياسي بشأن السيادة الوطنية وحدود تدخل أنقرة في الشؤون الداخلية لحليفتها. ومع اتساع تداعيات الأزمة، تحركت القيادة التركية لاحتواء التوتر والحفاظ على العلاقات الثنائية، في وقت تتمسك فيه باكو باستقلالية قرارها السياسي.

استقالة مستشار أردوغان في قلب الأزمة

أخذت الأزمة منحى جديداً مع مغادرة أوكتاي سارال منصبه مستشاراً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقب انتقاداته العلنية للقيود المفروضة على الحجاب في المدارس الأذربيجانية، وما أثارته من ردود فعل غاضبة في باكو.

وبحسب مصدر في حزب العدالة والتنمية الحاكم، جاءت استقالة سارال بعد تدخل أردوغان لوقف الانتقادات الموجهة إلى أذربيجان من داخل معسكره السياسي. وأشار المصدر إلى أن الخطوة حملت رسالة داخل الحزب بضرورة توخي الحذر عند تناول القضايا الحساسة المتعلقة بباكو، تجنباً لتوتر العلاقات مع دولة حليفة.

وكان سارال قد انتقد، في منشور عبر منصة «إكس» في 12 أكتوبر، منع طالبات محجبات من دخول المدارس، معتبراً حرمانهن من التعليم أمراً غير مقبول، وداعياً السلطات الأذربيجانية إلى مراجعة الإجراء.

وجاءت تصريحاته ضمن موجة انتقادات أطلقها سياسيون وشخصيات تركية من اتجاهات مختلفة، اعتراضاً على القيود المتعلقة بملابس الطالبات، التي تستند إليها السلطات الأذربيجانية في إطار قواعد توحيد الزي المدرسي ومبادئ العلمانية.

باكو ترفض ما تعتبره تدخلاً في شؤونها

رد حزب «أذربيجان الجديدة» الحاكم بانتقادات حادة للتصريحات التركية، معتبراً أنها تتجاوز حدود التضامن السياسي وتقترب من التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.

وبذلك، انتقل الخلاف من مسألة تتعلق بالحجاب وحرية المعتقد إلى نقاش أوسع حول استقلال القرار الأذربيجاني وحدود تأثير أنقرة في سياسات حليفتها، رغم التقارب التاريخي والسياسي بين البلدين.

وامتدت التداعيات إلى إجراءات رسمية؛ إذ أعلنت باكو في 21 أكتوبر منع 31 مواطناً تركياً من دخول أراضيها، بينهم فاتح أربكان، رئيس حزب «الرفاه من جديد»، وعمر فاروق غيرغيرلي أوغلو، النائب عن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب. وبررت السلطات القرار بما وصفته بمنشورات وتصريحات تستهدف سيادة أذربيجان وأمنها ونظامها الدستوري.

كما أعلنت النيابة العامة الأذربيجانية اتخاذ إجراءات بحق سبعة أشخاص في تركيا، شملت إصدار أوامر توقيف غيابية وطلب ملاحقتهم دولياً، على خلفية اتهامات تتعلق بالدعوة إلى تغيير النظام الدستوري بالقوة والتحريض على الكراهية الدينية.

تحركات تركية لاحتواء التصعيد

في المقابل، أظهرت مواقف أنقرة المتلاحقة مساعي لاحتواء الأزمة قبل الزيارة المرتقبة للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إلى تركيا، للمشاركة في القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية.

وشملت التحركات اتصالاً بين أردوغان وعلييف، إلى جانب وقف الانتقادات الصادرة عن مسؤولين أتراك بشأن القيود على الحجاب، فضلاً عن مغادرة سارال منصبه. وتأتي هذه الخطوات في سياق الحرص على منع الخلاف من التأثير في العلاقات الثنائية أو على مستوى التنسيق بين البلدين داخل المنظمة.

وتكشف الأزمة عن حساسية التوازن الذي تحاول أنقرة الحفاظ عليه بين الروابط السياسية والثقافية مع باكو، وتجنب الظهور بمظهر الطرف الذي يسعى إلى التأثير في خياراتها الداخلية. وفي المقابل، تبدو أذربيجان حريصة على تأكيد أن التقارب مع تركيا لا يعني التخلي عن استقلالية قرارها.

تحالف استراتيجي واختلافات في الأولويات

تستند العلاقات التركية الأذربيجانية إلى روابط لغوية وثقافية وتاريخية، وإلى تعاون واسع في مجالات الدفاع والطاقة والنقل والاتصال بين تركيا وآسيا الوسطى. ويعبّر البلدان عن هذا التقارب بشعار «شعب واحد في دولتين»، لكن الأزمة الحالية أظهرت أن الشراكة لا تلغي اختلافاتهما في بعض القضايا الداخلية والخارجية.

ويبرز ملف العلمانية أحد أوجه التباين بين البلدين. ففي أذربيجان، تتمسك السلطات بإطار علماني للدولة، بينما يتمتع التيار المحافظ بنفوذ واسع في تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية. وتكتسب قضية الحجاب حساسية خاصة في تركيا بسبب تاريخ الجدل الداخلي حول القيود المفروضة على ارتدائه في المؤسسات التعليمية والعامة.

كذلك، تمثل العلاقات الاقتصادية والأمنية المستمرة بين أذربيجان وإسرائيل جانباً آخر من التباينات بين أنقرة وباكو، رغم تأكيد أذربيجان دعمها إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للقانون الدولي.

وتتداخل هذه الاختلافات مع حسابات إقليمية أوسع، تشمل علاقة أذربيجان بإيران المجاورة، وموقع البلدين في شبكة المصالح الممتدة من القوقاز إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

اختبار لحدود الشراكة

لا تقتصر أهمية الأزمة على الخلاف بشأن الحجاب، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين حليفين تربطهما مصالح استراتيجية، مع تمسك كل منهما بهامش مستقل في إدارة شؤونه الداخلية وعلاقاته الخارجية.

وتواجه أنقرة تحدياً يتمثل في الحفاظ على تعاونها الوثيق مع باكو من دون أن تتحول الروابط السياسية والثقافية إلى مصدر خلاف بشأن السيادة، فيما تسعى أذربيجان إلى تثبيت استقلالية قرارها مع الإبقاء على شراكتها مع تركيا.

ويبقى احتواء التصعيد مرهوناً بقدرة الجانبين على إدارة الخلاف عبر القنوات الرسمية، والفصل بين التباينات في السياسات الداخلية والمصالح الاستراتيجية المشتركة، بما يحول دون انتقال الأزمة إلى ملفات التعاون الأوسع بين البلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى